من أي مخيم أنت؟؟؟

مشروع تعليمي
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 الجورة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد الهباش



عدد الرسائل : 2
تاريخ التسجيل : 10/03/2007

مُساهمةموضوع: الجورة   الثلاثاء مارس 13, 2007 12:58 pm

الجورة *



ما أشبه اليوم بالأمس ، ثلاثة أشهر مضت على حشر جسده في حافلةٍ مماثلة ، يتنشقُ رائحة الفضاء علّه يعرفُ إلى أين يسير به قدره هذه المرّة ، رائحة العرق والحديد الحامي لصق أنفه ، النوافذ المغلقة والسواتر تمنعه من تمييز رائحة المكان . صاح الكابتن أوفر :

ـ رأسكَ تحت الحديد .

يخفضون رؤوسهم بين المقعدين بحيث تلامس أرض الحافلة، الهراوة لا تجد مشقة في نبش الرعب الكامن في الضلوع ، واستنفار الأعصاب والصراخ . سلكُ الكهرباء الذي ألهب ظهره ومزق الجلد ـ مثيراً شهوة الكابتن وتلذذه ـ لم يستطع دفع الصوت الأخرس إلى حنجرته؛ بقي كما في رحم أمه صامتاً ، عائماً في بحيرة لزجة من العرق والدم والذهول. يستمرُّ الضرب على الظهر وبين الكتفين، يشعر بالاختناق، لا منفذ للهواء، هراوة الكابتن ترسلُ لهيباً في الضلوع، تصدر حنجرته صوتَ تكسرٍ وفحيح، يود لو يستطيع رفع رأسه قليلاً. مرّة أخرى يحاول حصر أحاسيسه في معرفة المكان. ( يداكَ خلفَ ظهركَ ) يصرخ الكابتن مؤكداً تحفزه لعقاب المخالف .

صوت الكابتن الملوّن باللذة يطلب منهم شتم الرئيس ، يفعلون بصوت عال ٍ طلبا ً للهواء . صوت الكابتن يصرخ بلزوجة تلامس أذنيه : اهتفوا : يعيش الكابتن أوفر . صوته مقيم حيث تنزع الروح إلى الانعتاق من أسرها .

بنفس النغمة يطلب شتم النبي ـ يعترض السائق بالعبرية ( ربما تأخذهم الحمية الطائفية ويقتلوننا ). الكابتن يستجيب لرفيقه ويدير الراديو، تنطلق موسيقى عبرية تعبر أذنيه بصخبها فيلتصق الرأس بالحديد الحامي ! من يخاف من ؟

توقفتْ الحافلة ، هدأ الضجيج ، وعلت صرخات الفرح ، لم يستطع التصديق أنّ الرائحة ، هي نفسها تلك الّتي سكنتْ أنفه طوال أعوامه الثلاثين الماضية ، لم يصدّق أذنيه وهو يسمع الزغاريد ، العناق ، هسيس الدمع ، وصوت أمُّه الملهوف يسأل عنه . أخيراً هو في النبطية ! يستقبلهُ صوت الضابط الإسرائيلي في مكبر الصوت ( الحمد لله على سلامتكم ـ كلّ عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الأضحى المبارك، أخيراً أخذ العدل مجراه، ولو متأخرا!ً ).

منذ ثلاثة أشهر تجاوزت الحافلة الأسلاك الشائكة إلى نهاريا ، لم أكن أعرف عنها شيئاً سوى وقوعها على البحر ، بعد ثلاث ساعات ونصف ، أبقونا معصوبي العيون ومشدودي الوثاق ، أمرونا بالنزول ، تلقانا الجنود بالركل والضرب ، وعبارة واحدة تصرعني ، ( وجهكَ إلى الحائط ) . نزعوا قميصي الداخلي وحولوه إلى عصابة وضعوها على عيني ! عصابة! . الجندي لم يعرف معنى كوني بعصابة رافقت عينيّ منذ صراخي الأوّل وحتّى اللحظة ! المضحك أنّي لم أكن أملك نقوداً ولا حلية مما أغاظ الجندي فنلت رفسة في خاصرتي جزاء ما جنت يداي !. قادني الشاويش ورماني على طبق متعة الجنود المفضل ، الضرب بالهراوة . عيناي المطفأتان تمنعاني من تجنب الضرب ، عجزي يشهر خوفي سلاحاً ، الخوف ! كثيراً ما تساءلتُ عن ماهيته، كنتُ أعتقد أنّ الدروب المجهولة هي مصدره، لكنّ غرفة الزنك غيّرت مفاهيمي فعرفت رائحةً جديدة للخوف، صفيحها يشوي جسدي مع ارتفاع شمس تموز في السماء، يرافقه فهمٌ مفاجئ لمعنى الموت. لم تكن الأسلاك الشائكة المحيطة بالجورة لتشعرني بالأسر ، منظر عريي غرز أنيابه في صدري فأدماه! العفونة المنبعثة من أمعائي وانفجارٌ مثانتي احتجاجاً على إهانة إنسانيتي .

( وجهكَ والجدار ، يداكَ خلف ظهرك )

يداي ورقة يابسة أعطت لجسدي شكل الذل ، وطواعية الهزيمة . يفكُّون وثاقي، جنديٌ يعريني، يرش جسدي ب د. د. ت ، تتشبث يدي بما رماه ، بطانية وجورب وحذاء قديم ، وأجلس للعشاء في مجموعتي ، حبة بندورة وقطعة خبز عفنة، رفيق لي في السبعين من عمره يبدي انزعاجاً ( زلخيم لطوف ) * عبارته العبرية تلك كانت قدره الذي حمله لمواجهة عفريت الموت .

أسبوع الضيافة مرّ ويداي خلف ظهري ! بعدها أصبحت من أهل البيت ! فاتخذتا شكلاً جديدا ً لحريتي . البرد الشديد ليلاً ، والندى يغطيني ساعات الفجر الأولى ، وكأنّ لتموز ثأراً مع جسدي ، متى يطلع الصباح ؟ . مع خيوط الشمس الأولى ينسيني نباح الكلاب المشدودة إلى أيديهم بالجنازير حاجتي للشمس والدفء ، وأبقي سمعي في حالة تأهب قصوى !

في العاشرة صباحاً طلبوا منا التقدم في مجموعات مؤلفة من خمسة أشخاص ، راحوا يدونون بالعبرية ، الاسم والجنسية ، والعمر والتاريخ ، وصنفنا ( أسرى حرب ) . ! بماذا أحارب ؟ حتّى عصاي مُنعتْ من تلمس الطريق قبل إيقاع خطواتي فيه !

صوت الضابط الإسرائيلي يرن عالياً بنبرات موزونة في أذني : لقد انتهت الحرب بالنسبة لكم ، عيّنا عليكم مختاراً ، هو صلة الوصل بين شاويش خيمتكم وبيننا . وله حريّة القصاص من المخالف .

اختار الضابط شاويشاً لكلّ مجموعة، العشاء كان لقمة من علبة حلاوة مع قليل من الخبز ، صدر أمر المختار بعدها بالنوم .

مع خيوط الفجر، ارتجّ المخيّم لصوته الخشن آمراً بالاستيقاظ ، هذه المرّة فوجئت باختراع عربي ابتدعه المختار ، وضع الأيدي على شكل جناحي طائرة بشكل مستقيم ، هراوته تسرع بقصاصها من كلّ يد لا تعرف شكل جناحي الطائرة ، من أين أبتدع طائرتي ؟ حتّى الطائرة الورقية لم يتحقق حلمي باللعب بها ! .

البعض حاول الوصول إلى بوابة المعتقل ليحتج لدى الإسرائيليين، الهراوة كانت بالمرصاد. زلمه يسيطرون على التموين ويرمون لنا الفتات، الهتاف الواجب علينا بحياته يجعلنا نثور ضدّ وجوده ( يعيش المختار ، يعيش الشاويش ، تعيش السلطة ). نهتف في حال الحريّة ، وحال الأسر ! معتقلٌ داخلي يبحث عن نور الحريّة ، الحريّة تبدت في قتال عنيف دار بيننا وبين المختار وحاشيته ، تعلو قهقهة الجنود وقد اختلط الحابل بالنابل ووقع الكثير من الجرحى ، يتوقف سائق البلدوزر * ليتفرج على حلبة المصارعة المجانية تلك. الدم المسفوح أعطى المخيّم حريته بانتخاب مختار آخر منا. الوضع الجديد ، ترفٌ لم أحلم به وأنا في الجورة ، رفيقي قال لي :

ـ نحن محظوظون ، إقامتنا فيها رائحة الوطن ، على الخيمة كتابة تقول إنّها صنعت في مصانع الجيش العربي في 9 ، 2 ، 1966 ، يا له من تاريخ !

كم مرّة سألتُ نفسي إلى متى ؟ وكم هوة وجدار تصدى للسؤال فأخرسه ، وردّه إلى حنجرتي ؟ .

يستلم تصريحه ، وثيقة حريته ، نسائم رطبة، وصوت أمّه ، يفكّان عن حنجرته حصار الصمت .


خضرةٌ تبعث في العين نورها ، يستنفر من الذاكرة مشهد البداية، قبل أن يصل معمل ( صفا ) في الغازية، حين كان واقفاً أمام دكان الحاج حسين وزجاجة البيبسي تتدفق باردة في حلقه ، تقتل العطش . اقتربت الحافلة ، تدفق في سمعه صوت رفاقه، انبسطت أساريره ، ناداهم ، صوتٌ مبهم قال له: ابتعد. دفعه لهاثه وراء الصحبة ليلحق الحافلة ، تسلّق درجاتها دون عناء ، ويد قاسية تدفعه للصعود ، فجأة فهم الفخ المتربص به، وكانت زجاجة البيبسي الباردة لا تزال في يده، لم يفرغ من شربها ، حتّى وصل أنصار .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
&ابراهيم عبدالله&

avatar

عدد الرسائل : 77
العمر : 27
Localisation : ابراهيم
تاريخ التسجيل : 10/03/2007

مُساهمةموضوع: رد: الجورة   الثلاثاء مارس 13, 2007 5:55 pm

يسلمو اديك اخوي احمد علي هل موضوع رائع جدا
يسلمو اديك وان شاء الله تضلك مستمر معانه
تحياتي *ابراهيم عبدالله*
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://shmo3.own0.com
بلال

avatar

عدد الرسائل : 54
العمر : 25
تاريخ التسجيل : 04/03/2007

مُساهمةموضوع: رد: الجورة   الثلاثاء مارس 13, 2007 7:11 pm

مشكور اخي عالنبذة الرائعة عن الجورة
تسلم تسلم Surprised Surprised
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بلال

avatar

عدد الرسائل : 54
العمر : 25
تاريخ التسجيل : 04/03/2007

مُساهمةموضوع: رد: الجورة   الثلاثاء مارس 13, 2007 7:15 pm

اه انسيت انا شي
بدي انبهك عليه
هاد القسم بس خاص للمخيمات
مو للقرى الأصلية
مشكور عالعموم انتا حاطط في الاتنبن مشكور clown
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالحميد

avatar

عدد الرسائل : 44
تاريخ التسجيل : 06/03/2007

مُساهمةموضوع: رد: الجورة   الجمعة مارس 16, 2007 2:52 am

شكرا اخوي على الموضوع

واهلا بجميع اهل الجورة Very Happy

والله يعطيك العافية Very Happy
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المحتـــــار

avatar

عدد الرسائل : 25
العمر : 27
تاريخ التسجيل : 17/03/2007

مُساهمةموضوع: هلا   الخميس مارس 22, 2007 11:28 pm

I love you cheers مشكور اخي على هذا الموضوع الجميل وشكرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الجورة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
من أي مخيم أنت؟؟؟ :: المنتدى العام :: اسماء المخيمات-
انتقل الى: